إذا كنا نتحدث عن مثال يمكن أن يُظهر حقيقة "رُب ضارةٍ نافعة"، فإن منصة تيك توك تكون أفضل مثال لنوضح هذا المفهوم. إن تيك توك، التي انطلقت في عام 2016، قد تطورت بشكل لافت وأصبحت واحدة من أكثر التطبيقات انتشاراً وتحميلاً في جميع أنحاء العالم في الوقت الحالي. فقد تخطت عدد تحميلاتها حاجز 3.5 مليار تحميل، وهي الآن تحظى بشعبية كبيرة.
ومع ذلك، يظهر التناقض في هذا النجاح، إذ أن تأثير هذه المنصة لم يكن خاليًا من الآثار السلبية. فالتطبيق، الذي أثار الجدل في بعض الأحيان، ترك بعض الضرر الذي تكبدته العديد من الأشخاص الذين أفتقدناهم اليوم. لكن مع هذا، تبقى تيك توك تجسيداً للمثل المذكور، حيث جذبت الانتباه بفعل الأذى، وفي الوقت نفسه أصبحت واحدة من أكثر المنصات جذباً للاهتمام والتفاعل.
إن قصة تيك توك تسلط الضوء على تحولات التكنولوجيا الحديثة وتأثيرها المتزايد في عالمنا اليوم. ومن خلال هذه السردية، نتساءل عن حقيقة الأرباح الهائلة التي يحققها صناع المحتوى على هذه المنصة وكيف يتم ذلك.
- تيك توك، عبارة عن تجربة ناجحة، وضربة قاضية للمنافسين :
العدد الضخم من التحميلات لتطبيق تيك توك يعزى إلى تأثير جائحة كورونا، حيث فرضت الحاجة للعمل من المنزل خيارًا للكثيرين، وأدت الجائحة إلى إلغاء العديد من وسائل الترفيه التقليدية. وفي ظل هذا السياق، أصبح مشاهدة وإنتاج محتوى الفيديو القصير هو الاختيار الرئيسي، حيث يتميز هذا النوع من المحتوى بسهولة الإنتاج باستخدام كاميرا الهاتف الذكي، مما أدى إلى تسمية تيك توك بـ "الشبكة الاجتماعية المنتصرة على الوباء"، وحققت شهرة واسعة في هذه الفترة.
وعلى الرغم من نجاح تيك توك، إلا أنه أصبح موضوع جدل بين الحكومتين الأمريكية والصينية. في عام 2020، أعلن الرئيس السابق للولايات المتحدة، دونالد ترامب، عن قراره بحظر تطبيق تيك توك في الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أنه سيتم حظره إذا لم توافق شركة بايت دانس على بيعه إلى شركة أمريكية.
قررت الحكومة الصينية أن تستخدم هذا القرار كوسيلة للضغط، معلنة رسميا أنه في حال عدم الاتفاق على بيع التطبيق لإحدى الشركات الأمريكية أو إيقافه، سيتم إيقافه بشكل نهائي.
ظل تيك توك في سباق التنافس مع منصات أخرى، حيث نجح في استحواذ النسبة الكبيرة من مستخدمي فيسبوك، وأدى ذلك إلى أزمة كبيرة لشركة فيسبوك ومارك زوكربيرج، مما أدى في النهاية إلى تحول فيسبوك إلى Meta. وفي سبتمبر الماضي، تجاوزت نسب المشاهدة على تيك توك نسب المشاهدة على يوتيوب، الذي كان يُعتبر أكبر منصة لعرض الفيديوهات قبل ظهور تيك توك.
تُظهر هذه الأحداث مدى سيطرة تيك توك، حتى وصلت شركة آمازون إلى إرسال رسالة إلى موظفيها تطلب منهم إلغاء تثبيت التطبيق من هواتف الشركة لأسباب أمنية، ورغم إعلان الشركة لاحقًا أن إرسال البريد كان خطأً، إلا أن هذا يُظهر الانتباه الكبير لما يتعلق بتيك توك.
وأخيرًا، حتى Netflix واجهت التحدي من منصة تيك توك. قال ريد هاستينجز، الرئيس التنفيذي لشركة Netflix، في تصريح سابق، إن أكبر منافس لشركته هو "النوم". ولكن بعد انتشار تيك توك، ظهرت تصريحات جديدة تشير إلى أن ألعاب الفيديو ومقاطع الفيديو القصيرة أصبحتا التحدي الرئيسي لنجاح Netflix. وفي ذلك الوقت، اعتبر هاستينجز تيك توك مُمثلاً لمقاطع الفيديو القصيرة.
تداولت تقارير كثيرة توصي بضرورة أن تقوم Netflix بشراء تيك توك نظرًا لهروب المستخدمين إليها، خاصةً مع اعتماد تيك توك على إعلانات لتحقيق أرباحها، وهو نموذج عمل يختلف عن Netflix الذي يعتمد على الاشتراكات. ورغم أن Netflix لا تُنافس بشكل مباشر في مجال الإعلانات، إلا أن التقارير الحالية تشير إلى أنها قد تستعد لتفعيل خدمة الفيديوهات القصيرة في المستقبل، نظرًا لعدم إمكانية شراء تيك توك بسبب عدم موافقة الصين على بيع التطبيق لأي شركة أخرى.
- أهم الخطوات لربح المال من تيك توك
نموذج عائدات منصة تيك توك يعتمد بشكل أساسي على تحقيق أرباح من مختلف أنواع المحتوى المشارك على المنصة. يُمكن تصنيف هذه العائدات تحت مسمى "الإعلانات"، والتي تتنوع في أنواعها. إليك نظرة موجزة:
1. الإعلانات على صفحة FOR YOU :
هذه الصفحة هي مركز إعلاني رئيسي في تطبيق تيك توك، حيث تعد صفحة "For You" ببساطة البوابة التي تُلقي بك في عالم مليء بالمحتوى الذي قد لا تكون على دراية به، ولكنها بالتأكيد ستجذب انتباهك. تستند آلية عملها إلى خوارزمية تيك توك، التي تقوم بعرض المحتوى الذي يهمك دائمًا. تظهر الإعلانات على هيئة مقاطع فيديو متكاملة مع المحتوى العادي الموجود في الصفحة، مما يجعلها تتداخل بشكل طبيعي وتظهر كجزء من التجربة، ويصعب التفريق بينها وبين المحتوى العادي إلا عند التركيز على اسم الحساب الذي يقدم هذا المحتوى.
2. إعلانات BRAND TAKEOVER :
إعلانات "Brand Takeover" تُعد أيضًا من وسائل الربح الرئيسية لتطبيق تيك توك. تعتمد هذه الإعلانات على ظهور مفاجئ وإلزامي عند فتحك للتطبيق لأول مرة. قد يكون لديك إمكانية تخطيها في بعض الأحيان، وفي بعض الحالات الأخرى قد تضطر لمشاهدة الإعلان بالكامل أو الخروج من التطبيق.
تُستخدم هذه الإعلانات غالبًا كوسيلة للتوعية وتعزيز المبيعات بشكل مباشر. إنها ليست جزءًا من استراتيجية التسويق بالمحتوى كما هو الحال مع إعلانات صفحة "For You". ببساطة، تظهر لك هذه الإعلانات كإعلانات مباشرة مع رسالة محددة عند فتح التطبيق، وتهدف إلى إشراكك أو توجيه رسالة معينة بشكل فوري.
3. إعلانات الهاشتاج :
عند زيارتك لصفحة "Discovery" داخل تطبيق تيك توك، ستلاحظ وجود مجموعة من الهاشتاجات الشهيرة في الوقت الحالي. تكمن الإثارة في وجود مجموعة من الهاشتاجات المستخدمة بشكل خفي، والتي ترتبط بعلامات تجارية مختلفة أو تُستخدم بشكل ذكي من قبل بعض العلامات التجارية في استراتيجيات التسويق بطريقة غير مباشرة. تُعد هذه الهاشتاجات أيضًا واحدة من أهم وسائل ربح التطبيق.
يتسابق منشئو المحتوى لإنشاء مقاطع قصيرة باستخدام هذه الهاشتاجات واستغلال الموسيقى أو الأغاني المتاحة فيها، بهدف الظهور في هذه الصفحة المميزة وجذب انتباه المستخدمين.
4. إعلانات TOP VIEW :
تعتبر إعلانات Top View نوعًا آخر من إعلانات Brand Takeover، لكن الاختلاف بينهما يكمن في أن إعلانات Brand Takeover تظهر عند فتح التطبيق للمرة الأولى، بينما تظهر إعلانات Top View بعد استخدام التطبيق لبضع ثوانٍ وتستمر لمدة تصل إلى 60 ثانية. وغالبًا ما تظهر هذه الإعلانات أثناء مشاهدة فيديو يحظى بعدد كبير من المشاهدات.
5. عملات تيك توك :
هذا النوع من الأرباح يعتمد على تيك توك Coins التي يقوم المستخدمون بشرائها بأموال حقيقية ومن ثم تقديمها كهدايا لصناع المحتوى أثناء بث الفيديوهات الحية. تحتفظ تيك توك بعمولة عند سحب صانع المحتوى لأرباحه، وكذلك عند شراء المستخدمين لتلك العملات من داخل التطبيق. تلك العمولة تسهم في استمرار تدفق الأرباح من كل الاتجاهات.